فصل: تفسير الآيات رقم (54- 55)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تيسير التفسير ***


الجزء الثاني

سورة الأنعام

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ‏(‏1‏)‏ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ‏(‏2‏)‏ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ‏(‏3‏)‏‏}‏

الحمد‏:‏ الثناء الحق والذكر الجميل‏.‏ الظلمة‏:‏ الحال التي يكون عليها كل مكان لا نور فيه، والنور قسمان‏:‏ حِسّي وهو ما يدرك بالبصر، ومعنويّ وهو ما يدرَك بالبصيرة‏.‏

الجَعل‏:‏ الانشاء والابداع كالخلق، الا ان الجعل مختص بالإنشاء التكويني كما في هذه الآية، وبالتشريعي كما في قوله تعالى‏:‏ «وما جعل الله من بَحيرة ولا سائبة» الآية‏.‏

ولم يذكر النور في القرآن إلا مفرداً، والظلمة إلا جمعاً‏.‏ وذلك لأن النور واحد حتى لو تعددت مصادره، فيما تتم الظُلمة بعد حجب النور واعتراضه، ومصادر ذلك كثيرة‏.‏ وكذلك حال النور المعنوي، فهو شيء واحد فيما الظلمات متعددة‏.‏ فالحق واحد لا يتعدد، والباطل الذي يقابله كثير‏.‏ والهدى واحد، والضلال المقابل له كثير‏.‏ وقُدمت الظلمات في الذكر على النور لأنها سابقة عليه في الوجود، فقد وُحدت مادة الكون وكانت سديما كما يقول علماء الفلك، ثم تكوّنت الشموس والأجرام بما حدث فيها من الاشتعال لشدة الحركة‏.‏ والى هذا يشير حديث عبد الله بن عمرو‏:‏ «ان الله خلق الخلق في ظلمة، ثم رشّ عليهم من نوره، فمن أصابه نورُه اهتدى، ومن أخطأهُ ضل» رواه احمد والترمذي‏.‏ ويؤيده قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ‏}‏‏.‏

ومثلُ ما سبق أن الظلمات المعنوية أسبقُ في الوجود، فان نور العلم والهداية كسبيٌ في البشر، وغير الكسبيِّ منه الوحي، وظلمات الجهل والأهواء سابقة على هذا النور ‏{‏والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}‏‏.‏

يعدلون‏:‏ يجعلون له عديلاً مساوياً في العبادة، أيك يتخذون له أندادا‏.‏ الأجَل‏:‏ المدة المقدَّرة‏.‏ تمترون‏:‏ تشكّون في البعث‏.‏

‏{‏الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السماوات والأرض‏}‏‏.‏

الثناء والذِكر الجميل لله، الذي خلق هذا الكون وما فيه مما نراه وما لا نراه، وأوجد الظلمات والنور لمنعفة العباد‏.‏ ثم مع هذه النعم الجلية يُشرِك به الكافرون ويجعلون له شريكاً في العبادة‏!‏‏!‏

بدأت سورة الأنعام هنا في آياتها الأولى، فركّزت اتجاهها نحو القضايا الثلاث التي اشرنا اليها‏:‏ الالوهية، الوحي والرسالة، وقضية البعث بعد الموت فقررت في اولاها ما يوجب النظَر في التوحيد، وأثبتت لِلّه في سبيل ذلك استحقاق الحمد بحقيقته الشاملة لجميع أنواع صوره، واهابات بالعقول أن تلتفت الى أنه هو الذي خلق الكون بمادته وجوهرة، فلا أحد غيره يستحق شيئا من الحمد والثناء، لأن الله هو وحده المصدر، ولا يصح في عقلٍ أن يتجه بالعبادة والتقديس الى غيره، فما أضلَّ اولئك الذين تنكبوا طريق العقل السليم واتخذوا له شركاء هو الّذي خلقهم في جملة ما خلق‏.‏

ففي الآية الكريمة إشارة الى عظمة الخلق ووحدته، وعظمةُ الخلق تدل على وحدانية الخالق وجلاله‏:‏ فالسماوات بنجومها وكواكبها، والأرض وما عليها من حيوان ونبات، وما في باطنها من معادن جامدة وسائلة، والبحار وما يسبح فيها من لآلئ وأحياء- كلها تدل على وحدانية الخالق‏.‏ وكذلك النور الواحد والظلمات المنوعة، كظلمة الصخر والبحر والكهف والضباب المتكاثف‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ كل هذا يدل على ابداع الخالق‏.‏

‏{‏هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ‏}‏‏.‏

هو الذي بدأ خلْقكم من طين هذه الأرض، ثم قدّر لحياة كل واحد منكم زمناص ينتهي بموته، واجلاً مسمّى عنده‏.‏ وهذا يعني ان الله تعالى قضى لعباده أجلَين‏:‏ أجَلاً لحياة الفرد قبل مماته، وأجلاً آخر محدداً عنده تعالى لبعث جميع الناس بعد النقضاء عمر الدنيا‏.‏ ثم أنتم ايها لاكافرون بعد هذا تجادلون في قدرة الله على البعث‏!‏ ما دام الله هوا لذي خلق الإنسان من طين، وسخّر له ما في الأرض والسماوات ينتفع بما فيها، فكيف يشك اي إنسان في ان له حياة اخرى‏!‏‏!‏

‏{‏وَهُوَ الله فِي السماوات وَفِي الأرض‏}‏‏.‏

هو وحده المستحقُّ للعبادة في السماوات وفي الأرض، يعلم ما أخفيتموه وما أظهرتموه، ويعلم ما تكسبُون من الخير والشر فيحصي ذلك عليكم ليجازيكم به‏.‏

تقرر هذه الآية الكريمة خاصة الألوهية من العلم الشامل وعموم القدرة، وهما الاساسان في فهم الحق بالنسبة الى الألوهية، وبالنسبة الى البعث والجزاء، وبالنسبة الى الوحي والرسالة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏4- 6‏]‏

‏{‏وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ ‏(‏4‏)‏ فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ‏(‏5‏)‏ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ ‏(‏6‏)‏‏}‏

الآية‏:‏ العلامة والعبرة والحجة، ومن القرآن جملة او جُمل‏.‏ الاعراض‏:‏ التولي عن الشيء‏.‏ الحق‏:‏ دين الله الذي جاء به خاتم رسله‏.‏ الإنباء‏:‏ الإخبار الذي جاء به القرآن الكريم من وعد ووعيد القرن‏:‏ القوم المقترنون في زمن واحد، جمعُه قرون‏.‏ مكّناهم في الارض‏:‏ جعلناهم يتصرفون فيها‏.‏ ارسلنا عليهم السماء مدرارا‏:‏ امطرنا عليهم مطرا غزيرا‏.‏

بعدأن أرشد سبحانه وتعالى في الآيات السالفة الى دلائل وحدانيته، وذكَر انها على شدة وضوحها لم تنمع المشركين من أن يتجاهلون ذلك كله- جاءت هذه الآية تقرر أن الله آياتٍ يبعث بها أنبياءه إلى خلقه، وهي آيات الشرائع والاحكام، وآيات الخلق والاتقان‏.‏ لكن الناس مع وضوح هذه الآيات تأخذهم فتنة الحياة، فيُعرضون ويكذّبون‏.‏ ثم توعّدهم ربهم على إعراضهم ذاك وأنذرهم عاقبة التكذيب بالحق، ووجَّه أنظارهم الى ما حل بالأمم التي قبلهم لعلّم يرعوون‏.‏

‏{‏وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ‏}‏‏.‏

ولا تنزلُ عليهم آية من تلك الآيات الناطقة بتفصيل بدائع صنع الله إلا أعرضوا عنها استهزاءً وتكذيبا‏.‏

ولما بيّن تعالى أن شأنهم الإعراضُ عن الآيات قال‏:‏ ‏{‏فَقَدْ كَذَّبُواْ بالحق لَمَّا جَآءَهُمْ‏}‏ اي أنه بسببٍ من ذلك الإعراض عن النظر في الآيات كذّبوا بالحق الذي جاءهم به النبيّ عليه السلام، ولم يتأملوا ما فيه‏.‏

ثم هدّدهم وتوعدهم على تكذيب فقال‏:‏ ‏{‏فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ‏}‏ أي ان عاقبة لاتكذيب أن تحل بهم العقوبات العاجلة، من نصر رسوله وأصحابه، وإظهار دينه على الدين كله‏.‏ وقد حقق ذلك، وتم فتح مكة والنصر لدين الله‏.‏

وبعد ان توعدهم سبحانه بنزول العذاب بهم بيّن أنّ مما جرت به سُنّته في المكذبين قبلهم ليتّعظوا فقال‏:‏

‏{‏أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرض مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ‏؟‏‏}‏

ألم يَعْلموا أنّنا أهلَكْنا أُمماً كثيرةً قبلَهُم، أعطَيْناهم مِن أسبابِ القُوّة والبقاءِ في الأرضِ ووسّعنا عليهم في الرزق والنعيم ما لم نُعْطِكم مثلَه ايها الكافرون‏.‏

ولما لم يشكروا هذه النِعم، أهلكناهم بسبب شركهم وكثرة ذنوبهم ‏{‏وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ‏}‏ اي أوجدنا أناساً غيرهم خيراً منهم‏.‏

وفي هذه الآية ردّ على كفار مكة وهدمٌ لغرورهم بقوتهم وثروتهم، قبالة ضعف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وفقرهم في ذلك الوقت‏.‏ كما حكى الله عنهم في قوله‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 35‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 9‏]‏

‏{‏وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ‏(‏7‏)‏ وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ ‏(‏8‏)‏ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ ‏(‏9‏)‏‏}‏

الكتاب‏:‏ الصحيفة المكتوبة، ومجموعة الصحف في موضوع واحد‏.‏ القرطاس‏:‏ الورق الذي يكتب فيه‏.‏ اللمس‏:‏ مسُّ الشيء باليد، وقد يستعمل بمعنى طلب الشيء، يقال‏:‏ لمسه والتمسه وتلمّسه‏.‏ السحر‏:‏ خداع وتمويه يُري ما لا حقيقة له في صورة الحقائق لقُضي الأمر‏:‏ لتم هلاكهم‏.‏ لا ينظَرون‏:‏ لا يمهلون‏.‏ اللبس‏:‏ الستر والتغطية‏.‏

بعد أن أرشد سبحانه في الآيات المتقدمة إلى ما دعا اليه الرسولُ الكريم من التوحيد والبعث، ثم ذكر أن قريشا نزعت إلى التكذيب، وانذرهم عاقبة ذلك طالباً اليهم أن يتعظوا من أمم غابرة- أورد هنا شُبهاتِ أولك الجاحدين المعاندين على الوحي وبعثة الرسول صلى الله عليه وسلم منها لجوؤهم الى رمي الحديث بالسحر‏.‏ وتفسير الآية‏:‏

ولو انْزلنا عليك ايها النبي هذا القرآن مكتوبا في ورق ظاهر، كدليل على رسالتك، قرأوا بأعينهم وتأكدوا منه بلمسه بأيديهم لقالوا‏:‏ ما هذا الذي رأيناه ولمسناه إلا سحر واضح ظاهر‏.‏

وكان كفار قريش وزعماؤهم يتعنّتون كثيراً ويطلبون من الرسول الكريم اشياء للتعجيز، وكان النبي يعجَب من كفر قومه به وبما انزل عليه، رغم وضوح برهانه- فبيّن الله تعالى أسباب ذلك، وان هذا قديم في طباع البشر وأخلاقهم‏.‏

وكان من تعنت قريش أنهم اقترحوا ان يُنزل على الرسول ملَك من السماء يسمعون كلامه ويرونه، ويكون معه رسالته من ربه‏.‏ وقد رد الله تعالى الاقتراحين بقوله تعالى‏:‏

‏{‏وَقَالُواْ لولاا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمر ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ‏}‏

قالوا‏:‏ نطلب ان ينزل الله عليه ملَكاً يصدِّقه، ولو أنزلْنا كما اقتروحا لقُضي الأمر بإهلاكهم ثم لا يؤخَّرون ساعة‏.‏ ولو جُعل الرسول ملَكاً لجُعل متمثّلاً في صورة بشرٍ، وذلك ليستطيعوا رؤيتَه، وسماعَ كلامه فالملائكة ارواح لطيفة لا تُرى، ولا يمكن ان يظهروا للعيان الا في صورة جسم بشري‏.‏ ولو جاءهم ملك في صورة بشر لاعتقدوا انه بشر مثلهم، وحينئذٍ يقعون في اللَّبس والخطأ الذي يتخبطون فيه الآن‏.‏

وقد ذكر الإمام البخاري في تفسير «قضاء الأمر» عدةَ وجوه‏:‏

1- ان سنة الله قد جرت بأن أقوام الرسل إذا اقترحوا آية ثم لم يؤمنوا بها بعد أن جاءتهم- عذّبهم الله عذاب الاستئصال‏.‏ والله لا يريد ان يستأصل هذه الأمة التي بعث فيها خاتم رسله نبي الرحمة ‏{‏وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ‏}‏‏.‏

2- انهم لو شاهدوا الملَك بصورته الأصلية لماتوا من هول ما يشاهدون‏.‏

3- انهم اقترحوا ما لا يتوقّف عليه الإيمان، فلو أُعطوه ولم يجدِ ذلك معهم نفعا- دلّ ذلك على منتهى العناد الذي يستدعي الاهلاك وعدم الإمهال‏.‏‏.‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏10- 11‏]‏

‏{‏وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ‏(‏10‏)‏ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

الاستهزاء والهزؤ‏:‏ السخرية والاحتقار‏.‏ حاق به المركوه‏:‏ احط به‏.‏

بعد ان ذكر سبحانه مقترحات كفار قريش السخيفة وتعنتهم، وخفّف عن الرسول ما يلاقيه منهم من سوء الأدب- بيّن له انه ليس اول رسول يلاقي ما يلاقيه‏.‏‏.‏ فان كثيرا من الرسل قبله لاَقوا من أقوامهم مثل ما لاقى بل أشدّ ثم أمر هؤلاء المكذبين أن يسيروا في الأرض ليروا كيف كانت عاقبةُ الذين كذّبوا أنبياءه من قبلهم‏.‏

والتفسير‏:‏ لقد استهزأ الكفار برسل كرام قبلك، فأحاط بالساخرين العذاب الذي أنذرهم به رسلهمن جزاء على سوء صنيعهم‏.‏ وفي الآية تسلية للرسلو الكريم عن إيذاء قومه له، وتعليم له بسنُنِ الله في الأمم مع رسلهم، وبشارة له بحسن العاقبة، وما سيحل بالمستهزئين من الخزي والنّكال‏.‏ كذكل فيها تحدّ لهم‏:‏ قُل يا محمد للمستهزئين بل من قومك‏:‏ سيروا في الأرض، وتأملوا كيف كان الهلاك نهاية المكذبين لرسلهم، وكيف كانت عاقبتهم بما تشاهدون من آثارهم، ثم اعتبروا انتم بهذه النهاية، وذلك المصير‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 16‏]‏

‏{‏قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏12‏)‏ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏13‏)‏ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏14‏)‏ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ‏(‏15‏)‏ مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ‏(‏16‏)‏‏}‏

كتب على نفسه الرحمة‏:‏ أوجب على نفسه ايجاب فضل وكرم‏.‏ سكن‏:‏ من السكون، ضد الحركة، الولي‏:‏ الناصر ومتولي الأمر‏.‏ فاطر السموات والارض‏:‏ بمدعها على غير مثال‏.‏ وهو يُطعم ولا يطعم‏:‏ هو الرزاق ليغره ولا يرزقه احد‏.‏ يصرف عنه‏:‏ يبعد عنه‏.‏

في الآيات السابقة ذكرَ اللهُ تعالى أصول الدين الثلاثة‏:‏ التوحيد، والبعث والجزاء، ورسالة محمد، ثم ذك شبهات الكافرين الجاحدين وبيّن ما يدحضها، ثم أرشد الى سننه تعالى في اقوام الرسل المكذّبين وعاقبتهم‏.‏ وهنا يرد ذِكر هذه الاصول الثلاثة باسلوب آخر‏:‏ اسلوب السؤال والجواب‏.‏ ويسيرُ هذا الاسلوب في طريقين بارزين لاتكاد نجدهما بهذه الكثرة في غير هذه السورة‏.‏ فهي تورد الأدلةَ المتعلقة بتوحيد الله، وتفرُّدِه بالمُلك والقدرة في صورة الشأن المسلَّم بالتقرير الذي لا يقبل الإنكار او الجدل ‏{‏هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ وَهُوَ الله فِي السماوات وَفِي الأرض يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ‏}‏ هذا الاسلوب‏.‏

أما الأسلوب الثاني فهو أسلوب التلقين‏:‏ تلقين الحجة والأمر بقذفها في وجه الخصم حتى تحيط به من جميع جوانبه فلا يستطيع التفلّت منها، ولا يجد بُدّاً من الاستسلام لها‏.‏ ففي حجج التوحيد والقدرة‏:‏

‏{‏قُل لِّمَن مَّا فِي السماوات والأرض قُل للَّهِ كَتَبَ على نَفْسِهِ الرحمة‏}‏

‏{‏قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السماوات والأرض‏.‏‏.‏‏.‏ الآية‏}‏‏.‏

‏{‏قُلْ إني أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏}‏‏.‏

‏{‏قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله أَوْ أَتَتْكُمْ الساعة أَغَيْرَ الله تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ‏}‏‏.‏

‏{‏قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ‏}‏

وفي حجج الوحي وبيان مهمة الرسول، وأن الرسالة لا تنافي البشرية، وفي إيمان الرسول بدعوته، واعتماده على الله، وعدم اكتراثه بهم، او انتظار الأجر منهم‏:‏

‏{‏قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً‏؟‏ قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ‏}‏‏.‏

‏{‏قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ الله ولاا أَعْلَمُ الغيب ولاا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ‏}‏ إلى آيات كثيرة‏.‏

وفي وعيدهم على التكذيب‏:‏

‏{‏قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض ثُمَّ انظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المكذبين‏}‏‏.‏

‏{‏قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الظالمون‏}‏‏.‏

‏{‏قُلْ يَاقَوْمِ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ إِنَّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدار‏}‏‏.‏

‏{‏قُلِ انتظروا إِنَّا مُنتَظِرُونَ‏}‏‏.‏

وفي الرد عليهم في التحليل والتحريم من دون الله وتفنيدِ شبهتهم في الشرك وآثاره، وفي بيان ما حرم خاصة في الطعام، وعامةفي نظام الله‏:‏

‏{‏قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنثيين‏}‏‏.‏

‏{‏قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً الآية‏.‏‏.‏‏.‏

‏}‏‏.‏

‏{‏قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ‏؟‏‏}‏‏.‏

‏{‏قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ‏}‏‏.‏

هذان الاسلوبان قد تناوبا معظم ما تصمنته هذه السورة العظيمة، والقرآن كله عظيم‏.‏‏.‏

ويدل الاسلوبان على انهما صدرا في موقف واحد، وفي مقصد واحد، ولخصم واحد بَلَغ من الشدة والعتو مبلغاً استدعى من الله تزويد الرسول بعدةٍ وقية تتضافر في جملة شديدة يقذف بها في معسكر الاعداء، فتزلزل عمده، وتهد من بنيانه، فيخضع بالتسليم للحق‏.‏

‏{‏قُل لِّمَن مَّا فِي السماوات والأرض‏؟‏‏}‏‏.‏

قل ايها الرسول لقومك الجاحدين لرسالتك، المعرضين عن عدوتك‏:‏ من هو مالك السماوات والأرض ومن فيهن‏؟‏ فان احجموا ولم يجيبوا، فقل الجواب الذي لا جواب غيره‏:‏ إن مالكها هو الله وحده لا شريك له‏.‏ لقد أوجب على ذاته العلية الرحمة بخلقه، فلا يعجل في عقوبتهم وانما يقبل توبتهم‏.‏ ومن مقتضى هذه الرحمة ان يجمعكم الى يوم القيامة‏.‏

‏{‏الذين خسروا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏‏.‏

والذين ضّيعوا أنفسَهم، وعرَّضوها للعذاب في هذا اليوم هم الذين لا يؤمنوا بالله، ولم يصدقوا رسوله، ولا بيوم الحساب‏.‏

‏{‏وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي الليل والنهار وَهُوَ السميع العليم‏}‏‏.‏

فلله ما في السماوات والأرض، وله كل ما فيهنّ من ساكن ومتحرك في كل مكان وزمان، وهو السميع المحيط علمه بكل شيء‏.‏

‏{‏قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً‏؟‏ الآية‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

قل أيها النبي، أنا لا اتخذ غير الله إلهاً وناصرا، وهو وحده منشئ السماوات والأرض على نظام لم يُسبق اليه‏.‏ روى عن ابن عباس انه قال‏:‏ ما عرفت معى فاظر السماوات والارش، حتى أتاني اعرابيان يختصمان في بئر، فقال احدهما‏:‏ أنا فطرتها، اي ابتدعتها‏.‏

وهو الرزاق لعباده طعامَهم، ولي هو بحاجة الى من يرزقه ويطعمه‏.‏ قل لهم يا محمد‏:‏ بعد ان استبانت لكم الأدلة وجوب عبادة الله وحده، فأنا أُبلّغكم أنني قد أمرني ربي ان اكون أول من أسلم اليه، ونهاني عن ان اشرك معه غيره في العبادة‏.‏ ذلك أني أخاف إن خالفتُ أمر ربي وعصيته، عذابَ يوم يتجلى فيه الرب على عباده ويحاسبهم على اعمالهم ويجازيهم بما يستحقون‏.‏ إنه يوم شديد عند ذلك، فمن صرُف عنه العذاب ونجا من العقوبة، فقد رحمه الله، فدخل الجنة، وفاز عظيما‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 19‏]‏

‏{‏وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏17‏)‏ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ‏(‏18‏)‏ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ‏(‏19‏)‏‏}‏

المس‏:‏ أعمًّ من اللمس، يقال مسه السوء او الكِبَر او العذاب او التعب، أصابه‏.‏

الضر‏:‏ الألم والحزن والخوف، القاهر‏:‏ الغالب‏.‏ الشهيد‏:‏ الشاهد عن علم ويقين‏.‏ الانذار‏:‏ التخويف‏.‏

قعد أن بين سبحانه وتعالى ان صَرْفَ العذاب والفوزَ بالنعيم هو من رحمته تعالى في الآخرة- بين هنا ان الامر كذلك في الدنيا، وان التصرف فيها له وحده‏.‏

‏{‏وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ‏}‏‏.‏

إن يُصبْك الله بأي نوع نم الألم والسوء والحزن وغيره فلا صارف يصرفه عنك الا الله وان يمنحك خيرا كصحة وغنى وقوة وجاه فلا رادّ لفضله، وهو القادر على حفظه عليك، لأن التقدير على كل شيء‏.‏

وبعد ان اثبت الله تعالى لنفسه كمال القدرة، اثبت لها كمال السلطان والقوة، مع كمال الحكمة والعلم المحيط بخفايا الامور، فقال‏:‏

‏{‏وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الحكيم الخبير‏}‏‏.‏

وهوا لغالب بقدرته، المتسعلي على عباده، المتّصف بالحكمة في كل ما يفعل، هو المحيط علمه بما ظهر واستتر، والخبير بمصالح الاشياء، ومضارها، لا تَخفى عليه خوافي الامور‏.‏

‏{‏قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ‏}‏‏.‏

قل ايها النبي لِمَن يطلبون شهادة على رسالتك‏:‏ أي شيء أعظمُ شهادةً وأحق التصديق‏؟‏ قل‏:‏ ان الله اعظم شاهد بيني وبينكم على صدق ما جئتكم به، وقد أنزل عليّ هذا القرآن ليكون حجة لصدقي، لأحذركم به أنتم وكل من بلغه خبرُه‏.‏

واسألْهم‏:‏ أانتم الذين تقولون، معتقدين، إن مع الله آلهة غيره‏؟‏ ثم لهم‏:‏ لا أشهد بذلك، ولا أُقركم عليه، وانما المعبودُ بحق إلهٌ واحد هو الله ربي وربكمن، وأنا بريء مما تشركون به من الأصنام والأوثان‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏20- 24‏]‏

‏{‏الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏20‏)‏ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ‏(‏21‏)‏ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ‏(‏22‏)‏ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ‏(‏23‏)‏ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ‏(‏24‏)‏‏}‏

افترى‏:‏ كذب‏.‏ تزعمون‏:‏ تظنون، واكثر ما يستعمل الزعم فيما هو باطل‏.‏ ضل‏:‏ غاب، وخفِي‏.‏

بين الله تعالى في الآية السابقة ان شهادة الله على صحة نبوة رسوله كافية في تحقُّقها، وذكَر كذب أهل الكتاب في ادعائهم أنهم لا يعرفون محمداً صلى الله عليه وسلم، فأورد أنهم يعرفون نبوّته كما يعرفون ابناءهم‏.‏ وقد رُوي أن كفار قريش أرسلوا ليهودَ وسألوهم عن صفة النبي هل جاء في كتبهم عنا شيء، فأنكروا أن في التوراة والانجيل شيئا من ذلك وقد كذبوا في ذاك، إن صفته في كتبهم واضِحة ظاهرة‏.‏

‏{‏الذين خسروا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏‏.‏

فهؤلاء قد ضيعوا أنفسهم لأنهم كذبوا، لوم يقرّوا بما عرفون، بل أصرّوا على إنكارهم الحقائق‏.‏ وليس هناك من هو أشد ظلماً ممن افترى على الله كذِبا، كمن زعم ان له ولداً أو شريكا، ولا ممن كذّب بآياته المنزلة عل أنبيائه السابقين وأنكرها‏.‏

‏{‏وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ‏؟‏‏}‏‏.‏

اذكر لهم ايها الرسول ما سيحصل لهم يوم نجمع الخلق كلّهم للحساب، ثم نقول للذين عبدوا مع الله غيره‏:‏ أين الذين جعلتموهم شركاء لله، وزعمتم في الدنيا أنهم اولياؤكم من دونه‏؟‏

‏{‏ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ‏}‏‏.‏

لن تكون نتيجة محنتهم الشديدة في هذا الموقف الحرج الا محاولة التخلص من شركهم السابق بالكذب، قائلين ما أشركنا في العبادة احدا‏.‏

‏{‏انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ‏}‏‏.‏

انظر كيف سيغالطون انفسهم بهذا الكذب، كيف غاب ما كانوا يختلفونه من عبادة الاحجار، ويزعمونها شركاء لله‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ حمزة والكسائي «ثم لم يكن» بالياء والباقون «لم تكون» بالتاء‏.‏ وقرأ بن كثير وابن عامر وحفص «فتنتهم» بالرفع، والباقون «فتنتهم» بنصب التاء‏.‏ وقرأ حمزة وخلف والكسائي «والله ربنا» بنصب الباء، والباقون بكسرها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏25- 26‏]‏

‏{‏وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏25‏)‏ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ‏(‏26‏)‏‏}‏

الأكنة‏:‏ الأغطية مفردها كنان‏.‏ الوقر‏:‏ الثقل في السمع، الصمم‏.‏ الأساطير‏:‏ مفردها أسطورة هنا ما يوجب اليأس من ايمان بعضهم مهمات توالت الآيات والنذر‏.‏

ومنهم من يستمع اليك حين تتلو القرآن، لا يلتفهموه وليهتدوا به، وانما ليتلمسوا سبيلا للطعن فيه والسخرية منه‏.‏ لذا فقد حرمناهم من الانتفاع بعقولهم وأسماعهم، فباتوا وكأن عقولهم عليها أغطية تحجب عنهم الادراك الصحيح، وكأن في آذانهم صمماً يحول دون سماع الآيات على صحة نبوتك وحتى لو رأوا كل دليل فإنهم لن يؤمنوا‏.‏ وسيظلون اذا جاؤوك ليجادلوك بالباطل، قالوا مدفوعين بكفرهم‏:‏ ما هذا الاخرافات عن الأولين‏.‏

‏{‏وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

وهم ينهون الناس عن الإيمان بالقرآن، ويبتعدون عنه بانفهسم، فلا ينتفعون ولا يَدعون غيرهم ينتفع به‏.‏

‏{‏وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ‏}‏‏.‏

الواقع انهم لا يضرون بذلك الا أنفسهم، وما يشعرون بقبح ما يفعلون‏.‏

روى ابن عباس‏:‏ قال حضر عند النبي صلى الله عليه وسلم أبو سفيان، والوليد بن المغيرة، والنضر ابن الحارث، والحارث بن عامر، وأبو جهل‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ في جَمعٍ من كفار قريش، واستمعوا النبي وهو يقرأ القرآن فقالوا للنضر‏:‏ يا أبا قتيلة، ما يقول محمد‏؟‏ فقال‏:‏ والذي جعل الكعبة بيته ما أدري ما يقول، إلا أني أراه يحرك شفتيه ويتكلم بأساطير الأولي مثل ما كنتُ أحدّثكم بهِ عن القرون الماضية ‏(‏وكان النضر كثير الحديث عن القرون الاولى‏)‏ قال ابو سفيان‏:‏ إني لأرى بعض ما يقول حقاً‏.‏ فقال ابو جهل‏:‏ طلا فأنزل الله الآية‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ وهناك روايات اخرى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏27- 29‏]‏

‏{‏وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏27‏)‏ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ‏(‏28‏)‏ وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ‏(‏29‏)‏‏}‏

وقفوا على النار‏:‏ اطّلعوا عليها وعرفوها‏.‏

يبين الله تعالى هنا مشهدا من مشاهد يوم القيامة، وبعض ما يكون من أمرِ الكفار عندما يُعرَضون على النار ويشاهدون هولها، عند ذاك ينتمون ان يعودوا الى الدنيا ليعملوا صالح الاعمال‏.‏ وقد كذّبهم الله فيهما يقولون من أمر ذلك‏.‏

ولو ترى ايها النبي، هؤلاء الكفار وهم واقفون على النار يعانون اهوالها لرأيتَ أمارَ غريباً رهيباً، إذا يتمنّون الرجوع الى الدنيا، ويقولون ياليتنا نُردّ إليها نُردّ إليها لنُصلح أعمالنا، ونكون من المؤمنين‏.‏

لكن قولهم هذا ليس إلا رهمة وتخلصاً، فقد جاء بعد أن ظهر لهم ما لا يمكن اخفاؤه والمكابرة فيه‏.‏ ولو رُدوا الى الدنيا كما يتمنون، لعادوا الىلكفر الذي نهاهم الله عنه، اغتراراً منهم بزخرفها وإطاعة لأهوائهم‏.‏ انهم لكاذبون في دعواهم الايمان اذا ردوا الى الدنيا، فلو أُعيدوا الى الدنيا لقالوا‏:‏ ليس لنا حياة إلا هذه، وما نحن بمبعوثين بعد ذلك‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ حمزة ويعقوب وحفص «لا نكذب بآيات ربنا ونكون» بالصنب فيها والباقون بالرفع‏.‏ وقرأ ابن عامر «ونكون» بنصب النون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏30- 32‏]‏

‏{‏وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ‏(‏30‏)‏ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ‏(‏31‏)‏ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ‏(‏32‏)‏‏}‏

الساعة‏:‏ الزمن المعّين، والمراد به هنا يوم القيامة‏.‏ بغتة فجأة‏.‏ الحسرة‏:‏ الغم والندم على ما فات‏.‏ فرّطن‏:‏ قصرنا الأوزار‏:‏ جمع وزر وهو الحمل الثقيل، ومعناه هنا الإثم والذنب يبين الله هنا حال الكفار حين ينكشف لهم كل شيء يوم القيامة، ويجدون انفسهم في موقف حرج، فيتحسرون ويندمون على تفريطهم السابق في الدنيا، وغرورهم بمتاعها الزائل‏.‏

‏{‏وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبِّهِمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ولو ترى يا محمد هؤلاء الظالمين المكذبين حين يقفون للحساب امام ربهم، ويعرفون صدق ما أنزله على رسله لرأيت سوء حالهم اذ يقول اله لهم‏:‏ أليس هذا تشاهدونه الآن هو الحق الذي أنكرتموه في دنياكم‏؟‏ فيقولون متذلّلين‏:‏ بلى وربنا إنه الحق فيقول الله لهم بعد ذلك‏:‏ ادخلوا النار بسبب ما كنتم حريصين عليه من الكفر‏.‏

يومذاك يكون الذي انكروا لقاء الله للحساب والجزاء يوم القيامة قد خسِروا كل شيء‏.‏‏.‏‏.‏ حتى اذا فاجأتهم مشاهد يوم القيامة وهولها ندموا وقالوا‏:‏ يا سحرتنا على إهمالنا اتّباعَ الحق وما فرطنا في الدنيا‏.‏ إنهم هم يتحملون ذنوبهم ويرزحون تحت اعبائها، وما أسوأ تلك الاثقال‏!‏

الحقّ أقول لكم‏:‏ ليست هذه الحياة الدنيا التي حسب الكفار أنه لا حياة غيرها إلا لهواً ولعباً لا نفع فيه، أما الدار الآخرة فهي الحياة الحقيقة‏.‏ إن نعيم الآخرة لهو أنفع للذين يخافون الله فيمتثلون أمره فلا تعقلون هذا الأمر الواضح، وتفهمون ما يضركم ولا ينفعكم‏؟‏‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم ويعقوب «تعقلون» بالتاء والباقون «يعقلون» بالياء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏33- 35‏]‏

‏{‏قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ‏(‏33‏)‏ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏34‏)‏ وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ ‏(‏35‏)‏‏}‏

الجحود والجحد‏:‏ الانكار، وعدم الاعتراف بالحق‏.‏ كلمات الله‏:‏ وعده ووعيده النبأ‏:‏ الخبر ذو الشأن العظيم كبر الامر‏:‏ عظم، وشق وقْعه‏.‏ الاعراض‏:‏ لاتولي والانصراف عن الشيء رغبة عنه، او احتقاراً له‏.‏ الاتبغاء‏:‏ طلبُ ما في طلبه مشقة‏.‏ النفق‏:‏ سرب في الارض له مدخل ومخرج السلّم‏:‏ المرقاة، مأخوذة من السلامة لأنه الذي يُسْلمك إلى المكان الذي تريد الجهل‏:‏ ضد العلم ويُذَم الانسان بجهل ما يجب عليه علمه‏.‏

‏{‏قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الذي يَقُولُونَ‏}‏‏.‏

اننا نعلم بتكذيبهم لرسالتك وحزنك واسفك عليهم، فلا تحزن من ذلك، فان منشأ هذا التكذيب هو العناد والجحود‏.‏

‏{‏فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ولكن الظالمين بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ‏}‏‏.‏

إن الحقيقة أنهم لا يتهمونك يا محمد بالكذب، ولكنهم يظلمون أنفسهم مكابرة في الحق وعناداً له، فينكرون بألسنتهم دلائل صدقك، وعلامات نوبتك‏.‏

هناك روايات كثيرة وردت عن إقرار بعض زعماء قريش بصدق النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنْ سراً بينهم‏.‏ فقد روى ابن جرير عن السُدّي ان الأخنَس ابن شريق وأبا جهل التقيا، فقال الأخنس لأبي جهل‏:‏ يا أبا الحكَم اخبرني عن محمد‏:‏ أصادق هو أم كاذب‏؟‏

فانه ليس ها هنا أحد يمع كلامك غيري‏.‏ قال ابو جهل‏:‏ والله إن محمداً لَصادق وما كذب قط، ولكن اذا ذهب بنو قومه بالواء والسقاية والحجابة والندوة النبوةّة فماذا يكون لسائر قريش‏؟‏‏!‏ والزعامة الدنيوية والمصلحة هنا هما أساس إعراض أبي الحكَم، كما ترى‏.‏

وروى سفيان الثورِي عن عليّ كرم الله وجهه قال‏:‏ قال ابو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنّا لا نكذّبك ولكن نكذّب بما جئت به‏.‏

فهم يعلمون حق العلم ان الرسول صادق، وقد جرّبوه منذ نشأته وعرفوه، لكن خوفهم على مراكزهم جعلهم يصرّون على الكفر والجحود‏.‏

‏{‏وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ على مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حتى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا‏}‏‏.‏

لقد قوبل رسل قبلك يا محمد بالتكذيب والإيذاء من اقوامهم كما تجد أنت الآن من قومك، فصبروا حتى نصرناهم، فاصبر انت مثلهم‏.‏

‏{‏وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله‏}‏‏.‏

إصبر وسيأتيك نصرنا، فلا مغّير لوعدِ الله بنصْرِ الصابرين‏.‏

‏{‏وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ المرسلين‏}‏‏.‏

لقد قصصنا عليك من أخبار هؤلاء الرسل وتأييدنا لهم، ما فيه تسلية للك، ويقتضيه توجيه الرسالة نم تحمُّل الشدائد‏.‏

‏{‏وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ‏.‏‏.‏ الآية‏}‏‏.‏

ان كان قد شق عليك انصرافهم عن دعوتك، فإن استطعت أن تتخذ طريقا في باطن الأرض، أو سلّما تصعد به الى السماء، فتأتيهم بدليل على صدقك- فافعل‏.‏ ليس في قدرتك ذلك يا محمد، فأرحْ نفسك واصبر لحكم الله‏.‏ ولو شاء الله هدايتهم لحلهم جميعاً على الإيمان بما جئت به قسراً وقهراً‏.‏ لكنه تركهم لاختبارهم، فلا تكونن من الذين لا يعلمون حكم اله وسنّته في الخلق‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ نافع والكسائي «لا يُكْذِبونك» من اكذب والباقون «يُكَذِّبونك» وقرئ «ليُحْزِنك»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏36- 37‏]‏

‏{‏إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ‏(‏36‏)‏ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آَيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏37‏)‏‏}‏

استجاب‏:‏ أطاع في ما دُعي إليه، وأجاب الداعي واستجاب له‏:‏ لبّاه وقام بما دعاه اليها‏.‏ والاستجابة من الله يعبر بها في الأمورة التي تقع في المستقبل‏.‏ استجاب الله فلاناً، ومنه، وله- قبل دعاءه وقضى حاجته الموتى‏:‏ هنا الكفار يبعثهم الله‏:‏ يحييهم‏.‏

بعد أن بيّن الله تعالى أن حكمته اقتضت أن يكون البشر متقاوتفين في الاستعداد مختارين في ترفاتهم اعمالهم، فمنهم من يختارون الهدى ومنهم من يختارون الضلال- بيّن هنا أن الأولين هم الذين ينظرون في الآيات ويفقهون ما يسمعون، وأن الآخرين لا يفقهون ولا يسمعون، فهم والاموات سواء‏.‏

‏{‏إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الذين يَسْمَعُونَ‏}‏‏.‏

إنما يجب دعوةَ الحق مقبلين عليه، أولئك الذين يسمعون كلامَ الله سماع فهمٍ وتدبّر، أما الذين لا تُرجى استجابتهم فإنهم لا يسمعون السماع النافع، ولا نتفعون بدعوتك، لأنهم في حكم الاموات، يُترك أمرهم الى الله، فهو سبعثهم يوم القيامة من القبور، ويرجعهم اليه فيجاسبهم على ما فعلوا‏.‏

‏{‏وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ‏}‏‏.‏

ذكر شيئا من تعنتهم وعنادهم الدال على عظيم جحودهم‏.‏ إذا قالوا‏:‏ إننا نطلب ان تُنزّل آية معجزة على محمد كدليل مادي من ربه تشهد بصدق دعوته‏.‏

‏{‏قُلْ إِنَّ الله قَادِرٌ على أَن يُنَزِّلٍ آيَةً ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏‏.‏

قل لهم ايها الرسول‏:‏ إن الله قادر على ان ينزل اي دليل تفترحونه، ولكن أكثرهم لا تعلمون حكمة الله في إنزال الآيات‏.‏ انها ليست تابعة لأهوائكم، ولو أجاب مقترحاتكم ثم كذبتم بعد ذلك لاهلككم، لكم اكثركم لا يعلمون نتائج أعمالهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏38- 39‏]‏

‏{‏وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ‏(‏38‏)‏ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏39‏)‏‏}‏

الدابة‏:‏ كل ما يدب على الأرض من الحيوان‏.‏ الطائر كل ذي جناح الأمم‏:‏ واحدها أُمة‏:‏ وهي كل جماعة يجمعهم امر واحد، كزمان أو مكان، أو صفات أو مصالح التقريط‏:‏ التقصر‏.‏ الكتاب‏:‏ اللوح المحفوظ يحشرون‏:‏ يجمعون‏.‏

بعد ان بين سبحانه وتعالى انه قادر على انزال الآيات اذا رأيى من الحكمة والمصلحة انزالها- ذكرهنا ما هو كالدليل على ذلك، فأرشد الى عموم قدرته وشمول علمه وتدبيره في ما اوجد من مخلوقات على الأرض، أو في الفضاء‏.‏

ان أقوي دليلٍ على قدرة الله وحكمته، أنه خلَق كل شيء، وليس من حيوان يدب في ظاهر الأرض وباطنها، او طائر يسبح في الهواء- الا خلقها الله جماعات تماثلكم أيها البشَر، وجعل لها خصائصها ومميزاتها ونظام حياتها‏.‏ إنه لم يترك في الكتاب المحفوظ شيئاً إلا ذكره‏.‏ وان كانوا قد كذّبوا، فسوف يُحشرون مع كل الامم للحساب يوم القيامة‏.‏

‏{‏والذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظلمات‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

والذين لم يصدّقوا بآياتنا الواضحة الدالة على قدرتنا، لم ينتفعوا بحواسهم من معرفة الحق فتخبّطوا في ضلال الشرك ولعناد تخبُّط الأصم والابكم في الظلمات الحالكة‏:‏ ظلمة الوثنية، وظلمة الجاهلية، والكفر، والجحود‏.‏ وهؤلاء لا نجاة لهم من الهلاك‏.‏ ولو كان لديهم أي استعداد للخير لوفّقهم الله اليه‏.‏ فانه سبحانه إذا أراد إضللال إنسان لفساد قصده، تركه وشأنه‏.‏ وإذا أراد هدايته لسلامة قصده، يسّر له السير في طريق الايمان الواضح المستقيم‏.‏

وهذه الآية الكريمة وامثالها ترشدنا الى البحث في طباع الأحياء لنزاداد علماً بسنُن الله وأسراره في خلقه، ونزداد بآياته إيمانا، ونعتبر بحال من لم يستفيدوا مما فضلهم الله بِهِ على الحيوان، وهو بالعقل، ومما جاء به الرسول الكريم من هدى وارشاد، وهو القرآن‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏40- 45‏]‏

‏{‏قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏40‏)‏ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ‏(‏41‏)‏ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ‏(‏42‏)‏ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏43‏)‏ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ‏(‏44‏)‏ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏45‏)‏‏}‏

أرأيتكم‏:‏ أخبِروني، وهو أسلوب يُذكر للتعجيب والتنبيه الى أن ما يُذكر بعده غريب عجيب‏.‏ يكشف‏:‏ يزيل ما تدعونه الى كشفه البأساء‏:‏ المشقة، والعذاب الشديد‏.‏ الضراء‏:‏ الضُرّ ضد النفع يتضرعون‏:‏ يظهرون الخضوع بتكلّف‏.‏ مُبْلِسون‏:‏ متحسرون، يائٍسون من النجاة‏.‏ دابر القوم‏:‏ آخرهم‏.‏

بعد أن بيّن الله تعالى للمشركين أن علمه محيد بالكون كله، وعنايته تعم كل ما فيه، وأن أمم الحيوان، كأمم الانسان، قد اوتيت نم الإلهام والغريزة ما تميز به بين ما ينعفها وما يرها- أمرَ نبيّه الكريم ان يوجّه الى الكفار هذا السؤال، ليعلموا ان ماتقلّدوه من الشرك عارض يُفسد أذهانهم وقت الرخاء، حتى اذا جد الجد ونزول بهم مكروه دعوا الله مخلصين عار يُفسد أذهانهم وقت الرخاء، حتى إذا جد الجد ونزل بهم مكروه دعوا الله مخلصين له الدين‏.‏ والسؤال هو‏:‏ أخبروني أيها المكذّبون إن اتاكم عذاب كالذي نزل بمن قبلكم، او جاءتكم القيامةُ بأهلواها، الى من تتجهون‏!‏‏؟‏ ألغيرِ اله تضرَعون أن يكشف ما نزل بكم من البلاء‏؟‏ إن كنتم صادقين في عبادتكم لغير الله فيجب ان تتجهوا إليهم‏.‏

‏{‏بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ‏}‏‏.‏

الواقع أنكم لا تتجهون إلا اليه، تدعونه ان يكشف عنكم البلاء ان شاء‏.‏ إنكم في حال الشدة تنسون كل ما تجعلونه شركاء لله، فلماذا تفطنون لهم في الرخاء‏!‏‏!‏

وقد بين الله في اكثر من آية أن المشركين ينسون آلهتهم المزيفة عند الشدة والضيف، مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الفلك دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 65‏]‏‏.‏

ثم بين أن من سنّته تعالى أخْذَ عباده بالشدائد لعلّهم يثوبون الى رشدهم، فقال‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إلى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بالبأسآء والضرآء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ‏}‏‏.‏

فلا يشُق عليك أيها الرسول ما تلاقيه من قومك‏.‏‏.‏ لقد بعثنا قبلك رسلاً إلى أمم كثيرة قبل أمتك فكذّبوهم، فعاقبناهم لعلّهم يرجعون الى الله‏.‏

لكنّ كثيراً من الناس يصلون الى حال من الشرك والفجور لا يغيّرها بأس ولا يُحَوّلها بؤس فلا تجدي معهم العبر والمواعظ، ومنهم تلك الأمم الذين أُرسل اليهم أولئك الانبياء‏.‏

ولا تذهب بعيداً، وحالنا نحن العربَ شاهد ودليل‏.‏‏.‏‏.‏ لقد نزل بنا أكبر الشدائد وهاجمنا في ديارنا ألأَمُ الناس وأخبثُهم، بل أخذوا قسما عزيزاً من بلادنا، ومع ذلك لم نتعظ ولم نغير من حالنا شيئا‏.‏ إننا لا زِلنا سادرين في غرورنا، نتفاخر بماضينا، غافلين عن دونا الحاضر، ويقتل بعضنا بعضاً طمعاً في مناصب فصّلها لهم عدُّ الأمة وخصيم الاسلام‏.‏‏.‏ لم نرجع ألى ديننا، ولم نتضرع الى ربنا، بل تضرعنا الى اعدائنا الألداء في أمريكا واوروبا، نطلب منهم النصر، غافلين متعمدين عن أن النصر من عند الله ومن عند انفسنا‏.‏

‏{‏فلولاا إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ ولكن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ‏}‏‏.‏

هلاّ تضرّعوا إلينا خاشعين تائبين قبل أن جاءتهم مقدمات العاب‏.‏ إنهم لم يفعلوا، واستمرت قلوبهم على قسوتها، وزين لهم الشيطان ما هم عليه من الشرك والفجور‏.‏

‏{‏فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ‏}‏‏.‏

فلما أعرضوا عن الاتعاظ بما ابتليناهم من الفقر والمرضن وأصرّوا على كفرهم، ابتليناهم بعد ذلك بالرزق الوسع، وفتحنا عليهم ابواب رخاء العيش وصحة الاسجام والأمن على الانفس، حتى اذا فرحوا بكل ذلك ولم يشكروا الله عليه، جاءهم العذابُ بغتة، فإذا هم متحسّرون يائسون من النحاة لايجدون إليها سبيلا‏.‏

والخلاصة أن الله تعالى سلّط عليهم المكاره والشدائد ليعتبروا ويتعظوا، فلما تجدِ معهم شيئا نَقَلَهم الى حال هي ضدُّها، ففتح عليهم أبوبا الخيرات، وسهّل لهم سبل الرزق والرخاء فلم ينتفعوا به ايضاً‏.‏ عند ذاك أذاقهم جزاءهم العادل‏.‏

وروى مسلم عن صُهيب عن النبي انه قال‏:‏ «عجبا لأمر المؤمن، إن أمْرَهُ كلّه خير، وليس لك لاحد الا للمؤمن، إن أصابتْه سراءُ شكَر فكان خيراً له، وان اصباتْه ضراءُ صبرَ فكان خيراً له»

‏{‏فَقُطِعَ دَابِرُ القوم الذين ظَلَمُواْ والحمد للَّهِ رَبِّ العالمين‏}‏‏.‏

لقد هلك اولئك القوم الظالمون وأبيدوا عن آخرهم‏.‏

والحمدُ‏.‏‏.‏‏.‏ هنا ارشاد منا لله لعباده بتذكيرهم بما يجب عليهم من حمده على نصر المرسَلين المصلحين، وإيماءٌ الى وجوب ذكره في عاقبة كل أمر وخاتمو كل عمل، ‏{‏وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين‏}‏‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ نافع أرأيتكم بتسهيل الهمزة، وقرأ الكسائي‏:‏ أريتكم بحذف الهمزة‏.‏ والباقون «أرأيتكم» بتحقيق الهمزة وحمزة يسهل الهمزة بالوقف‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏46- 49‏]‏

‏{‏قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ‏(‏46‏)‏ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ‏(‏47‏)‏ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ‏(‏48‏)‏ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ‏(‏49‏)‏‏}‏

نصرّف الآيات‏:‏ نكررها على وجوه مختلفة‏.‏ يصدفون‏:‏ يعرضون‏.‏ يمسهم العذاب‏:‏ يصيبهم‏.‏

قل أيها الرسول لهؤلاء المكذبين بك وما جئت به من الهدى والحق‏:‏ أخبروني ماذا يكون من أمركم مع آلهتكم الذين تدعونهم من دون الله إن أصمّكَم اللّهُ فذهب بسمعكم، وأعماكم فذهب بأبصاركم، ثم طبع على قلوبكم بما يحجبها عن الإدراك‏.‏‏.‏‏.‏ مَنْ غيرُ اللهِ تعالى تأتيكم بكل ما أُخِذ منكم‏؟‏ أُنظر ايها النبي كيف نتابع عليهم الحجج، ونضرب لهم الأمثال على وجوه شتى ليعتبروا ويعودوا عن كفرهم، ولكنهم مع كل هذه البراهين يصرون على عنادهم وكفرهم‏.‏

‏{‏قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الظالمون‏}‏‏.‏

وهذا تهديد‏.‏ قل لهم أيها الرسول‏:‏ أخبروني إن حلّ بكم عذاب الله فجأة دون توقع، أو جاءكم عياناً وأنتم تنظرون اليه، فمن الخاسرُ عند ذاك إلا الذين ظلموا انفسهم بالإصرار على الشرك والضلال‏؟‏‏.‏

‏{‏وَمَا نُرْسِلُ المرسلين إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ‏}‏‏.‏

وهذه وظيفة الرسل‏.‏ وما نرسل الأنبياء الا ليبشّروا من يؤمن بالخير والثواب، وليحّذروا من يكفر من العذاب‏.‏

‏{‏فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ‏}‏ ولا حاجة الى تفسير‏.‏

‏{‏والذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ العذاب بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ‏}‏‏.‏

أما الذين كذّبوا بآياتنا الواضحة على صدق ما جاء به الرسل، فان لهم العذابَ جزاءً خروجهم عن الطاعة وعدم الإيمان‏.‏

قراءات‏:‏

أرأيتم، وأرأيتم، مثل ما تقدم، نافع يسهل الهمزة، والكسائي يحذفها، وحمزة يسهّلها بالوقف، والباقون يثبتونها «أرأيتكم» كما هي هنا في المصحف‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏50‏]‏

‏{‏قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ‏(‏50‏)‏‏}‏

الخزائن‏:‏ واحدها خِزانة، ما يُخزن فيه ما يراد حفظه ومنع التصرف فيه‏.‏ الغيب‏:‏ ما غيِّب علمه عن الناس‏.‏ الاعمى والبصير‏:‏ المراد به هنا الضال والمهتدي‏.‏

كان الكلام في الآيات السالفة في بيان اركان الدين واصول العقائد ووظيفة الرسل، والجزاء، على الاعمال يوم الحساب، وهنا يبين لنا وظيفة الرسل العامة‏.‏ قل ايها الرسول لهؤلاء الكفار المعاندين‏:‏ أنا لا أقول لكم عندي خزائن الله فأملم التصرّف في أرزاق العباد، وشئون المخلوقات‏.‏ كلا، ان التصرف المطلق من شأن الله وحده‏.‏ وليس موضوع الرسالة ان يكون الرسول قادراً على ما لا يقدر عليه البشر، كتفجير الينابيع والأنهار في مكة، وإيجاد الجنات والبساتين، والإتيان بالله والملائكة وغير ذلك من التعجيز‏.‏ وكان المشركون قد جعلوا ذلك شرْطاً للايمان بالرسول‏.‏

كذلك لا أدّعي علم الغيب الذي لم يطلعني الله عليه، ولا أقول إني ملَك أستطيع الصعود الى السماء اما قوله تعالى ‏{‏عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ‏}‏ فإن إظهار شيء خاص من عالم الغيب على يدي الرسل لهو من الأمور التي يخصّ بها الرسل ليؤيد بذلك دعوتَهم ورسالتهم‏.‏ وهو لايتعدّى إلى حمل أقوال الرسل على المستقبل، فهم لا يعلمون الا ما علمهم الله به‏.‏

‏{‏إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ‏}‏‏.‏

إنما أنا بشر أتبع ما يوحيه الله تعالى إلي، فأمضي لوحيه واعمل بأمره‏.‏

‏{‏قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعمى والبصير‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

هنا وبخهم الله تعالى على ضلالهم، فأمر رسوله ان يسألهم ما اذا كانوا يعتقدون أن الضال والمهتدي ليسا سواء فقال‏:‏ قل هل أعمى البصيرة الضال عن الصراط المستقيم، يَعْدِل ذا البصيرة المهتدي إليه‏؟‏ هل يليق بكم ان تعرضوا عن الهدى الذي أسوقه إليكم بعد هذا كله‏!‏‏!‏ تعقلوا ايها القوم ما في القرآن من ضروب الهداية والعرفان‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏51- 53‏]‏

‏{‏وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ‏(‏51‏)‏ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ‏(‏52‏)‏ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ‏(‏53‏)‏‏}‏

الحشر‏:‏ اجتماع الخلق يوم القيامة‏.‏

بعد أن أمر الله تعلى نبيّه الكريم بتبليغ الناس حقيقة رسالته، أمره بإنذار من يخافون الحساب والجزاء فقال‏:‏

أنِذر ما محمد بما يوحى إليك، وحذّر بما في هذا القرآن أولئك الذين يخافون اهوال يوم الحشر، حيث لا ناصر ولا شفيع إلا بإذن الله، لعلّهم يتقون فيبتعدون عما يُغضبه‏.‏

‏{‏وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ‏}‏‏.‏

ثم نهى الرسولَ أن يطيع المترفين من كفار قريش في شأن المستضعفين من المؤمنين‏.‏

فقالك لا تستجيب أيها النبي، لدعوة المتكبرين من المشركين، فتُعبد عنك المتسضعفين من المؤمنين‏.‏ إنهم هم الذين يعبدون ربهم طول الوقت لا يريدون إلا رضاه‏.‏ لا تلتفت يا محمد لدسّ المشركين عليهم، فلست مسئولاً أمام الله عن شيء من أعمالهم، وليسوا مسئولين عن أعمالك، فإن استجبتَ وأبعدتَ المؤمنين، كنتَ من الظالمين‏.‏

كان زعماء المشركين وكبراؤهم- أمثال أبي جهل وعُتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والحارث بن عامر، وقرظة بن عمرو وغيرهم- كثيراً ما يتضايقون من المؤمنين المتسضعَفين- مثل عمار بن ياسر، وبلال، وصهيب، وخَبَّاب، وسالم مولى أبي حذيف، وابن سمعود- وكانوا يطلبون من النبي ان يبعدهم عنه حتى يحضروا مجلسَه ويستمعوا اليه‏.‏

روى احمد، وابن جرير، والطبراني عن عبد الله بن مسعود قال‏:‏ «مر الملأ من قريش على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده صُهيب وعمار وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا‏:‏ يا محمد، أرضيتَ بهؤلاء من قومك‏؟‏ أهؤلاء مَنّ الله عليهم من بيننا‏؟‏ انحن نكون تبعا لهؤلاء‏؟‏ أطردْهم عنك، فلعلّك ان طردتهم أن نتبعك‏.‏

فأنزل الله تعالى فيهم القرآن‏:‏ ‏{‏وَأَنذِرْ بِهِ الذين يَخَافُونَ أَن يحشروا إلى رَبِّهِمْ‏.‏‏.‏‏.‏ إلى قولهأَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بالشاكرين-‏}‏‏.‏

‏{‏وكذلك فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ‏}‏‏.‏

تشير الآية الكريمة الى ما سبق وتفسيرها‏:‏

وبمثل هذا الابتلاء الذي جرت به سنتنا، امتحنّا المتكَبرين‏.‏‏.‏ لقد سبقَهم الضعفاء الى الاسلام، ليقول المتكبرون مستنكرين ساخرين‏:‏ هل هؤلاء الفقراء هم الذين أنعم الله عليهم من بيننا بالخير الذي يعد به محمد‏؟‏

وفي الآية إشارة الى أن ما اغتّر به الكبراء من النعيم لن يدوم، كما لن يبقى المؤمنون على الضعف الذي صبروا عليه‏.‏‏.‏ لا ان ينعكس الحال، وتدول الدُّولة لهؤلاء الضعفاء من المؤمنين وقد صدَق الله وعدَه‏.‏

قرأ ابن عامر‏:‏» بالغُدوة «والباقون،» بالغَداة «‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏54- 55‏]‏

‏{‏وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏54‏)‏ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ‏(‏55‏)‏‏}‏

السلام‏:‏ البراءة والعافية من الآفات والعيوب، والسلام ايضا من اسماء الله تعالى‏.‏

وقد استُعمل السلام في التحية بمعى تأمين المسلَّم عليه من كل أذى من المسلِّم‏.‏

كتب‏:‏ أوجَبَ الجهالة‏:‏ السفَه والخفة والغفلة‏.‏ تستبين‏:‏ تتضح وتظهر‏.‏

بعد ان نهى الله تعالى نبيه عن طرد المستضعفين من حضرته أملاً في استمالة المشركين المتكبرن من بني قومه- أمره أن يلقى الذين يدخلون في الاسلام بين حين وآخر، يعلّمهم ويبشّرهم برحمته تعالى ومغفرته‏.‏

‏{‏وَإِذَا جَآءَكَ الذين يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ الآية‏}‏‏.‏

اذا جاءك الذين تصدّقون بك وبرسالتك سائلين عما اذا كان لهم توبة عن ذنوبهم التي فرطت منهم، فقل لهم تكريماً لهم‏:‏ سلام عليكم، إنني ابَشّركم برحمة اله الواسعة‏.‏‏.‏ لقد أوجَبَها على ذاته تفضّلاً منه‏.‏ وهي تقضي ان من تاب ورجع عن ذنبه نادماً ثم أصلح عمله- غفر الله له، وشمله بعطفه‏.‏

‏{‏وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيات وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المجرمين‏}‏‏.‏

يبين سبحانه انه فصّل الحقائق للمؤمين حتى يبتعدوا عن سلوك المجرمين‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب بفتح الهمزة «أنه من عمل منكم سوءا» والباقون بكسر الهمزة‏.‏ وقرأ ابن عامر ويعقوب «فأنه غفور رحيم» بفتح الهمزة، والباقون بكسرها‏.‏ وقرأ نافع «لتستبين سبيلَ» بالنصب وقرأ ابن عامر وابو عمرو ويعقوب وحفص عن عاصم بالرفع‏.‏ والباقون بالياء، وبرفع سبيل‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏56- 58‏]‏

‏{‏قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ‏(‏56‏)‏ قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ‏(‏57‏)‏ قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ ‏(‏58‏)‏‏}‏

وتدعون من دون الله‏:‏ تعبدون البيّنة‏:‏ الحجة الواضحة، وكلما يُتبين به الحق‏.‏ يقُصّ الحق‏:‏ يخبر به‏.‏ خير الفاصلين‏:‏ القاضين في الأمور‏.‏

‏{‏قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله‏}‏‏.‏

قل ايها النبي لهولاء الكفار الذين يدعونك الى الشِرك بالله، إن الله قد نهاني عن عبادة الذين تعبدونهم من دون الله، فلا أتبع أهواءكم، ولو فعلتُ ذلك واتبعتكم أكون قد انحرفتُ عن الحق، وسِرتُ على غير هدى‏.‏

ثم امره ان يقول لهم‏:‏ إني على هدى من ربي فيما أّتبعه، فأنا على شريعة واضحة منزلة من ربي‏.‏ أما أنتم فقد كذَّبتم القرآن الذي جاء بها، وليس في قدرتي أن أقدم ما تستعجلونه من العذاب، فذلك داخل في قدرة الله ومروهو بارادته‏.‏ ثم اكد ما سبق بقوله‏:‏ ‏{‏إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ‏}‏ في هذا وفي غيره من شئون الأمم، إن شاء عجّل لكم العذاب وان شاء أخّر‏.‏ وله في ذلك سنن حكيمة، وهو يقص على رسوله القصص في وعده ووعيده، إنه خير الفاصلين بيني وبينكم‏.‏

قل ايها الرسول لهؤلاء الذين يستعجلون العذاب بقولهم ‏{‏اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 32‏]‏ لو ان في قدرتي انزال العذاب الذي تتعجلونه، لأنزلته عليكم غضباً لربي، لكن الأمر لله، وهو اعلم بما يستحقه الكافرون من العذاب العاجل او الآجل‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ ابن كثير ونافع وعاصم «يقص» بالصاد من القصص والباقون «يقضي» من القضاء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏59- 62‏]‏

‏{‏وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ‏(‏59‏)‏ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏60‏)‏ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ‏(‏61‏)‏ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ‏(‏62‏)‏‏}‏

المفاتح‏:‏ جمع مفتح بفتح الميم، ومفتاح‏.‏ يتوفاكم بالليل‏:‏ جعل النوم مثل الموت‏.‏ توفّاه أخذه وافياً كاملا‏.‏ جرحتم‏:‏ عملتم‏.‏ يبعثكم فيه‏:‏ يرسلكم ويوقظكم من النوم في النهار‏.‏ الأجل المسمى‏:‏ مدة البقاء في الدنيا‏.‏ الحفظة‏:‏ الملائكة الكرام الكاتبون‏.‏

بعد أن أمر الله تعالى الرسول ان يبين للمشركون انه على بينة من ربه فيما بلّغهم من الوحي، وان ما يستعجلونه من العذاب ليس عنده، وان الله تعالى يقضي الحق ويقصه على رسوله- عَمَد الى وصف حقيقة الالوهية في مجال عميق من مجالاتها الفذة، هو مجال الغيب المكنون‏.‏ فيقول‏:‏

وعند الله علمُ جميع المغّيبات، لا يحيط بها علماً الا هو وحده، ومن أظهره هو على بعض العلم كما جاء في سورة الجن ‏{‏عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ‏}‏‏.‏

والمغّيبات قسمان‏:‏

مغيبات مطلقة لا يمكن أن يصل إليها العقل الانساني، ومنها ما يقع للإنسان في المستقبل من حوادث تتعلق به‏.‏

ومغيبات نسبية، وهي ما يتعلق بأسرار الكون وما فيه، وتسخيره لخدمةالإنسان، فإن العلم بها قد يغب اجيالا ثم يظهر من بعد‏.‏ ومفاتح هذه المغيبات أيضا بيد الله، ويوفّق إليها من يشاء من عباده الذين يتعمقون في دراسة الكون‏.‏ ومن ذلك الاختراعاتُ التي نرى بعض الناس يصلون إليها بعد جهد جهيد بتوفيق الله‏.‏

روى البخاري عن سالم بن عبد الله عن ابيه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «الغيْبِ خَمْس‏:‏ إن الله عندَهُ عِلمُ الساعةِ، ويُنَزّلُ الغيْثَ، ويعلَمُ ما في الأرحامِ، ما تَدري نفسٌ ماذا تَكسِبُ غَداً، وما تَدرِي نفسٌ بأيّ أرضٍ تموت، إن الله عَلِيمٌ خَبير»‏.‏

ويحيط علم الله كذلك بجميع الموجودات في البر والبحر، ولا تسقط ورقة عن شجرةً إلا بعلمه، ولا حبة ما في باطن الارض، ولا شيء رطب ولا يابس، الا هو في اللوح المحفوظ عند الله‏.‏

والخلاصة، إن عند الله عِلمَ ما لا تعلمونه، وعنده علم ما يعلمه جميعهم، فهو يعلم ما كان وما يكون وما هو كائن الى يوم القيامة‏.‏

وهو الذي يتوفى أنفسَكم في اثناء النوم، أي يُزيل إحساسها، ويوقظكم في النهار، ويعلم ما كسسبتم فيه‏.‏‏.‏‏.‏ حتى ينتهي أجَل كل منكم، ثم ترجعون اليه يوم القيامة فيخبركم باعمالكم ويجازيكم عليها‏.‏

‏{‏وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً‏}‏‏.‏

بعد ان بين الله امر الموت والرجوع اليه للحساب، والجزاء، ذكره فهره لعباده وارسال الحفظة لاحصاء اعمال البشر فقال‏:‏ إن الله هو الغالب بقدرته، المستعلي بسلطانه على عباده، يرسل عليكم ملائكة يحصون اعمالكم الى ان تجيء نهاية كل منكم، فتقبض روحه ملائكتنا الذين نرسلهم لذلك وهم لا يقصّرون فيما يوكل اليهم‏.‏

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «يتعاقبون فيكم ملائكةُ بِالليل، وملائكة بالنهار، يجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرُج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربُّهم وهو أعلم بهم‏:‏ كيف تركتم عبادي‏؟‏ فيقولون‏:‏ تركناهم وهم يصلّون، وأتيناهم وهم يصلّون»‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ حمزة «توفاه رسلنا» بالألف الممالة، والباقون «توفته رسلنا»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏63- 64‏]‏

‏{‏قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ‏(‏63‏)‏ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ‏(‏64‏)‏‏}‏

ظلمات البر والبحر‏:‏ حسيّة، كظلمة الليل وظلمة السحاب، ومعنوية، كظلمة الجهل بالمسالك، وظلمة الشدائد والاخطار‏.‏ والعرب تقول لليوم الذي فيه شدة‏:‏ يوم مظلم، ويوم ذو كواكب‏.‏ وفي المثَل، رأي نجوم الظهر‏.‏ التضرع‏:‏ المبالغة في الدعاء‏.‏ والخفية‏:‏ بضم الخاء وكسرها الخفاء والاستتار‏.‏ الكرب‏:‏ الغم الشديد‏.‏

بعد أن أبان تعالى لعباده إحاطة علمه، وشمول قدرته، وانه القاهرة فوق عباده- ذكّرهم هنا بالدلائل الدالة على كمال قدرته الإلهية‏.‏ فأمر رسوله ان يَسأل المشركين الغافلين عن انفسهم‏:‏ من يننجيكم من ظلمات البر إذا ضللتم فيه فتحيّرتم أين تذهبون، ومن ظلمات البحر اذار ركبتموه فأظلم عليكم فلم تهتدوا‏؟‏ من يفعل ذلك غير الله الذي تلجأون إليه في خضوع، معلنين الدعاء تارة ومخفين إياه أخرى، مقْسِمين‏:‏ لئن أنجيتَنا من هذه المخاطر لنكونن من الشاكرين لفضلك بالعبادة لك‏.‏

‏{‏قُلِ الله يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ‏}‏‏.‏

ان الله وحده هو الذي ينقذكم من هذه الاهوال، ومن كل شدة اخرى، وعلى ذلك فسرعان ما تَحنِثون بأقسامكم وتشركون مع في العبادة غيره‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ يعقوب «قل من ينجيكم» بدون تشديد، والباقون «ينجيكم» بتشديد الجيم‏.‏ وقرأ أبو بكر‏:‏ «وخفية» بكسرا لخاء والباقون بضمها وقرأ أهل الكوفة «انجانا» وأماله حمزة والكسائي وخلق‏.‏ وقرأ الباقون «لئن أنجيتنا» وقرأ أهل الكوفة‏:‏ «قل الله ينجيكم» بالتشديد، والباقون بالخفيف‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏65- 67‏]‏

‏{‏قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ‏(‏65‏)‏ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ‏(‏66‏)‏ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ‏(‏67‏)‏‏}‏

الشيع‏:‏ واحدها شيعة، وهم كل قوم اجتمعوا على أمر‏.‏ او يلبسكم شيعا‏:‏ يخلط أمركم خلط اضطراب فيجعلكم فرقاً مختلفة‏.‏ بأس‏:‏ شدة نصرف الآيات‏:‏ نحولها من نوع الى آخر من فنون الكلام‏.‏ يفقهون‏:‏ يفهمون‏.‏ مستقر‏:‏ وقت استقرار ووقوع‏.‏

بعد ان بيّن تعالى الدلائل على كمال القدرة الآلهية، ونهاية الرحة بعباده، ذكر هنا قدرته على عذيبهم إن عصوَه، وأبان ان عاقبة كفران النعم زوالها‏.‏

قل ايها الرسول لقومك الذين لا يشكرون نعمة الله ويشركون معه غيره في العبادة‏:‏ ان الله وحده هو الذي يقدر على أن يرسل عليكم عذاباً يأتيكم من أعلاكم او من أسفلكم، او يجعل بعضكم لبعض عدوّاً، وتكونون طوائف مختلفة الاهواء متناكرة، يقتل بعضكم بعضا‏.‏

انطر ايها الرسول كيف دلّت الدلائل على قدرتنا واستحقاقنا وحدنا للعبادة، ومع هذا لا يؤمن قومك بذلك‏!‏‏!‏ لا شك ان هذه الآية من معجزات القرآن الذي لاتفنى عجائبه، فإن فيها نبأ مَن كان قبل الإسلام، ومن كان زمن التنزيل، ومن سيأتي بعدهم‏.‏

فهذه الحروب التي تشبّ في عصرنا فيها من الأهوال ما لم يسبق له نظير، فقد ارسل الله على تلك الأمم المحاربة عذاباً من فوقها تقذفه الطائرات والصواريخ وعذاباً من تحتها تقذفه الغواصات من اعماق البحار، وتهلك به مختلف السفن، كما جعل امم اوروبا شيعاً متعادية، ذاق بعضُها بأس بعض فحلّ بها من القتل والدمار والتخريب ما يشيب له الاطفال‏.‏

واذا نظرنا في احوالنا نحن العرب والمسلمين، نجد أننا يعادي بعضنا بعضا ونحترب، فيما العدو مترّبص بنا يتظر لينقضّ علينا ويلتهم ما يستطيع من أراضينا وبلادنا‏.‏ وما ذلك إلا لأننا بعُدنا عن ديننا، وغرّتْنا الحياة الدنيا، فاصبحنا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون‏.‏

روى أحمد والترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية» قُلْ هو القادِرُ الخ‏.‏‏.‏‏.‏ «قال‏:‏ أما إنّها كائنةٌ ولَمء يأتِ تأويلُها بعد‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏»

‏{‏وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الحق‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

ثم ذكر الله تعالى ان قوم الرسول الكريم قد كذبوا بالقرآن على ما فيه من الآيات الواضحة البينة، وهو الحق الثابت، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه‏.‏

ثم امر رسوله أن يبلغهم أن لا سبل له في اجبارهم على الايمان به فقال‏:‏ «قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيل» لا أنا حفيظ ولا رقيب، وإنما أنا رسول أبلّغكم رسالات ربي، ولا أملك القدرة على اجبار الناء ان يؤمنوا‏.‏

ثم هددهم وتوعدهم على التكذيب به فقال‏:‏

‏{‏لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ‏}‏ لك خبر جاءَ به القرآن وقت يتحقق فيه، وسوف تعلمون صدق هذه الاخبار عند وقوعها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏68- 70‏]‏

‏{‏وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ‏(‏68‏)‏ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ‏(‏69‏)‏ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ‏(‏70‏)‏‏}‏

يخوضون في آياتنا‏:‏ يسترسلون في الحديث بتشيوه تلك الآيات‏.‏ ولكن هذا تذكير لهم‏.‏ ان تبسل نفس‏:‏ ان تحبس بما كسبت وتمنع‏.‏ السبل‏:‏ حبس الشيء ومنعه بالقهر، ومنه شجاع باسل اي مانع غيره‏.‏ تَعْدِل‏:‏ تَفْدش كل فداء‏.‏ الحميم‏:‏ الشديد الحرارة‏.‏ ألِيم‏:‏ شديد الألَم‏.‏

بعد ان ذكرا لله تعالى في الآيات السابقة تكذيب كفار قريش، وبيّن ان الرسول عليه الصلاة والسلام مبلّغ للناس عن ربّه لا خالق للايمان فيهم- جاءت هذه الآيات لبيّن كيف يعامل المؤمنُ من يتخذ دين الله هزواً ولعبا من الكفار الذين كانوا يستهزئون بالقرآن وبالرسول والمستضعَفين من اسحابه الكرام‏.‏ وكذلك كيف يعامل المؤمن أهل الأهواء والبِدع في كل زمان ومكان‏.‏ والمخاطَب في هذه الآيات هو الرسول عليه الصلاة والسلام ومن كان معه من المؤمنين، ثم المؤمنين في كل زمان‏.‏

‏{‏وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ‏.‏‏.‏‏.‏ الآية‏}‏‏.‏

اذا حضرتَ مجلس الكفار، او جاء المشركون ليستمعوا اليك، ووجدتهم يطعنون في آيات القرآن، او يستهزئون بها، فانصرِف عنهم يا محمد حتى ينتقلوا الى حديث آخر‏.‏ وإن نسيتَ وجالستَهم وهم يخضون، ثم تذكَرت أمر الله بالبعد عنهم- فلا تبقَ معهم أبداً‏.‏

وسرُّ هذا النهي أن الإقبال على اولئك الخائضين والقعود معهم يغريهم في التمادي، ويدل على الرضا به والمشاركة فيه‏.‏ وهذا خطر كبير لما فيه من سماع الكفر والسكوت عليه‏.‏

‏{‏وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ‏}‏‏.‏

ثم بين الله تعالى ان المؤمنين اذا فعلوا ذلك فلن يشراكوا الخائضين في الإثم، لكن عليهم أن يذكّروهم، لعلّهم يكّفون عن الباطل‏.‏

‏{‏وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا‏}‏‏.‏

واترك يا محمد، انت ومن اتبعك من المؤمنين، جميعَ الذين اتخذوا دينهم لعبا، فلقد خدعتهم الحياة الدنيا عن الآخرة، فآثروها واشتغلوا بلذائذها الفانية‏.‏

‏{‏وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ‏}‏‏.‏

وبعد ان امرهم بترك المستهزئين بدينهم امر بالتذكير بالقرآن فقال‏:‏ ذكّر يا محمد دائما بالقرآن، وحذرهم هول يوم القيامة، يوم تُحبس فيه لك نفس بعلمها‏.‏ ‏{‏كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ‏}‏ لا ناصر يومذاك ولا معين غير الله‏.‏

‏{‏وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ‏}‏‏.‏

ثم أرشد الى أنه لا ينفع في الآخرة إلا صالح الاعمال، فلا شفيع ولا وسيط، وكلُّ فِدية للنجاة من العذاب مرفوضة ولا ينفع النفسَ أي فدية تقدمها في ذلك اليوم‏.‏

ثم يبين الله أن هذا الإبسال كان بسوء صنِيعهِم، حيث اتخذوا دينهم هزواً ولعباً فحُرموا الثواب، وحُبسوا عن دار السعادة‏.‏ لقد أحاطت بهم خطاياهم، فاستحقّوا ان يكون ‏{‏لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ‏}‏، أي شراب من ماء شديد الحرارة، وعذاب شديد الألم بنار تشتعل في أبدانهم‏.‏

وفي ذلك عبرة لمن ينفعه القرآن، ولا يَغتَرُّ بلقب الاسلام فقط، ويعلم أن المسلم من اتخذ القرآن إمامه، وسنَّةَ رسوله طريقه، لا من اغتّر بالأماني وركن إلى شفاعة الشافعين‏.‏

وفي ذلك عبرة لمن ينفعه القرآن، ولا يَغتَرُّ بلقب الاسلام فقط، ويعلم ان المسلم من اتخذ القرآن إمامه، وسنَّةَ رسوله طريقه، من اغتّر بالأماني وركن إلى شافعة الشافعين‏.‏